قصة حياة الحاج نوري الحنظل
السيرة الذاتية للمؤسس

قصة حياة الحاج نوري الحنظل

إرث من الإيمان والمثابرة والعطاء (1928 – 2020)

وُلد الحاج نوري الحنظل عام 1928 في مدينة تكريت بمحافظة صلاح الدين في العراق. نشأ في بيتٍ متواضع تسوده قيم الإيمان والبساطة وروح المجتمع المتماسك. وقد تشكّلت سنوات حياته الأولى في كنف بيئة تكريت الهادئة، المعروفة بوحدتها وتكافلها وكرم أهلها، وعلى ضفاف نهر دجلة الذي ينساب بهدوء إلى جوارها.

التعليم المبكر وروح العزيمة

بدأ تعليمه في تكريت واستمر حتى المرحلة الابتدائية، حيث عاش طفولته موزّعة بين الدراسة والعمل. وخلال العطل الصيفية، كان نوري الصغير وزملاؤه يعملون في مواقع البناء، يحملون الطابوق ويخلطون الإسمنت لتأمين رسومهم الدراسية. كانت أيامهم تبدأ مع بزوغ نور الفجر ولا تتخللها سوى فترات راحة قصيرة.
أسهمت هذه التجارب في بناء قدرته على التحمل والانضباط، ورسّخت لديه فهمًا عميقًا لقيمة المال المكتسب بجهدٍ صادق، إذ كان دخله اليومي يقارب دينارًا عراقيًا واحدًا، وهو مبلغ كافٍ لتغطية رسوم عامٍ دراسي كامل. وقد غرست هذه البدايات المتواضعة احترامًا راسخًا للعمل والمثابرة.

في تلك الفترة، كانت العراق تحت النفوذ البريطاني، وكانت شركة نفط العراق (IPC) تؤدي دورًا محوريًا في تطوير البلاد. وشكّلت مشاهدته للشركات الأجنبية التي تدير مشاريع ضخمة مصدر إلهام مبكر لطموحاته المستقبلية.

الخطوات الأولى في عالم العمل

في سن المراهقة، التحق نوري بشركة CAT اللبنانية، التي كانت تعمل في مشاريع البنية التحتية والقطاعات المرتبطة بالنفط في العراق، والمتخصصة في تعبيد الطرق وبناء المساكن والخدمات اللوجستية للعاملين في قطاع النفط. بدأ عمله كعامل بسيط، لكنه سرعان ما كسب الثقة بفضل أمانته ودرته على تحمل المسؤولية.

لاحقًا، نُقل للعمل في مشروع خط أنابيب نفط كركوك–حيفا، أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في المنطقة آنذاك، والذي ربط العراق بالبحر المتوسط. ومن خلال هذه التجربة، اكتسب معارف جوهرية في الإدارة والسلامة والعمل الجماعي والخدمات اللوجستية، وهي خبرات كان لها أثر بالغ في مسيرته المهنية اللاحقة.

ومع مرور الوقت، تولّى الإشراف على فرق عمل في مناطق صحراوية نائية بين حديثة والحدود السورية. وعلى الرغم من قسوة الظروف، ظل صبورًا وممتنًا ومصممًا على النجاح.

التعلّم وروح المبادرة

أثناء عمله في محطة T1 قرب الحدود العراقية–السورية، طوّر مهارات تقنية في تشغيل وصيانة معدات المشاريع. كما كُلّف بالمساعدة في تشغيل شاحنة سينما متنقلة كانت تُستخدم للترفيه عن العمال. وبفضل شغفه وفضوله، تعلّم آلية تشغيلها حتى أُسندت إليه المهمة بشكل مستقل.

وقد مكّنه تميّزه في هذا الدور من تحقيق دخل إضافي، استطاع من خلاله ادخار ما يقارب 1,000 دينار عراقي، وهو مبلغ كبير في ذلك الزمن. وكانت هذه اللحظة نقطة تحوّل أيقظت لديه روح الريادة، حيث رأى الفرص فيما يراه غيره عملًا اعتياديًا.

تأسيس أول مشروع تجاري

مستندًا على مدخراته وخبرته، افتتح أول متجر له في بيجي، وكان متجرًا للمواد الغذائية والتموين يخدم السكان المحليين وموظفي الشركات. وتحت إشراف التاجر المعروف حسن العاصي، تعلّم أسس التجارة، وأهمية خدمة العملاء، وأخلاقيات العمل.
ومع مرور الوقت، توسّع نشاطه ليشمل تجارة المواد الغذائية والتموين اللوجستي، حيث تولّى تزويد معسكرات الشركات والمشاريع بالمواد الغذائية واللحوم.

النمو والنجاح التجاري

خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شهد قطاع النفط في العراق توسعًا ملحوظًا، ما أتاح فرصًا جديدة. وفي تلك المرحلة، تعاقدت معه شركة برازيلية كانت تنفّذ مشروع خط سكة حديد بين بغداد والحدود السورية لتزويدها بالمواد الغذائية، ليكون ذلك أول عقد كبير في مسيرته.

أثمر هذا النجاح عن توسّع مالي ملحوظ، مكّنه من توظيف أكثر من 150 عاملًا، وشراء الأراضي، وبناء منازل لعائلته، وافتتاح متاجر في تكريت وبيجي، والاستثمار في مشاريع الدواجن والجزارة.

العودة إلى تكريت وخدمة المجتمع

على الرغم من نجاحه خارجها، ظل ارتباطه بتكريت راسخًا في قلبه. فاستثمر في المدينة، وساعد العائلات على تملّك الأراضي، ودعم مشاريع التنمية المحلية خلال فترة إدارة المحافظ عبيدة الشهيد.
وكان من عاداته الثابتة تنظيم موائد الإفطار في شهر رمضان، حيث كان يشرف شخصيًا على تقديم وجبات الإفطار لمئات الصائمين في بيجي والصينية وتكريت، وهي عادة واظب عليها طوال حياته.

تأسيس جامع نور النور والعمل الخيري

تعبيرًا عن شكره وامتنانه لله، أسّس جامع نور النور في منطقة الصينية، والذي يتسع لما يقارب 1,000 مصلٍّ، إلى جانب جمعية نور النور الخيرية التي عنيت برعاية الأيتام والأرامل وذوي الدخل المحدود.
وقدّمت الجمعية المساعدات الغذائية، والدعم السكني، ورعاية كبار السن، ومساندة ذوي الإعاقة، واشتهرت بإخلاصها وتعاطفها وعطائها الهادئ، في تجسيد صادق لقيم الحاج نوري الهاندل وسيرته.

الحياة بين العراق ودولة الإمارات

انتقل لاحقًا إلى دبي، حيث واصل أعماله الخيرية بتفانٍ لا يتزعزع. وكان ينظّم موائد الإفطار في شهر رمضان للعمّال وذوي الدخل المحدود في مسجد العمران، بمساندة أبنائه.
وقد كرّمه الشيخ شعبان نبيل تقديرًا لتواضعه، وطيبته، وإخلاصه.

تأملات وإرث خالد

في سنواته الأخيرة، كان يسترجع أكثر من سبعة عقود من العمل والإيمان والعطاء — من حمل الطابوق في طفولته إلى تأسيس إرث عائلي راسخ.

وكان كثيرًا ما يستحضر الحكمة التي عاش بها:

"اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا."

وكان يؤمن بأن الثروة لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تُسخَّر لخدمة الإنسان.

توفي الحاج نوري الحنظل عام 2020، تاركًا خلفه إرثًا من المثابرة والإيمان والخدمة. ولا تزال قيمه حاضرة في مسيرة أبنائه وأحفاده، وفي المؤسسات التي ألهمها — وفي مقدمتها مجموعة الحنظل الدولية، التي تواصل مسيرتها مسترشدة بنزاهته وكرمه وعزيمته.